حقوق الانسان
خطاب الكراهية آخذ في التصاعد في جميع أنحاء العالم، ولم يعد يقتصر على كلمات جارحة أو مواقف عدائية، بل بات سلوكًا يحرض على العنف، ويقوّض التنوع والتماسك الاجتماعي، ويهدد القيم والمبادئ المشتركة التي تربط المجتمعات. جريمة الكراهية تُعرَّف بأنها فعل جنائي مدفوع، كليًا أو جزئيًا، بتحيز ضد شخص أو جماعة على أساس العرق أو الدين أو النوع أو التوجه والهوية الجنسية، وهي تمثل تهديدًا مباشرًا لحقوق الإنسان.
أسباب هذه الظاهرة متعددة، منها الجهل وانعدام الوعي بحقوق الإنسان، والاستقطاب السياسي الذي يستخدم الكراهية أداة للتحشيد، والتوترات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع البعض للبحث عن “كبش فداء”، إضافة إلى ضعف التشريعات أو قصورها في تجريم التحريض. كما تلعب بعض الجهات الإعلامية دورًا سلبيًا في نشر المحتوى التحريضي، في حين تستفيد قوى متطرفة أو عنصرية من إثارة الانقسامات لتحقيق مكاسب سياسية أو أيديولوجية أو حتى اقتصادية.
انتشار خطاب الكراهية على شبكة الإنترنت وخارجها يقوض الحريات الأساسية، ويهين ويهمش الأفراد والجماعات المستهدفة، ويخلق بيئة خصبة لجرائم الكراهية. ولذا حرصت الصكوك والاتفاقيات الدولية على مواجهته، مثل الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري التي تحظر “الدعاية” و”نشر الأفكار” حول التفوق العنصري والتمييز، وتُلزم الدول بمنعها ومعاقبة مرتكبيها، وكذلك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يعاقب كل من يحرض بشكل مباشر وعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية.
التصدي لخطاب الكراهية لا يعني تقييد حرية التعبير، بل منع انزلاقه نحو التحريض على التمييز والعداوة والعنف، وهو أمر محظور بموجب القانون الدولي. دور السلطات والحكومات هنا أساسي، عبر سنّ وتطبيق قوانين صارمة، ومراقبة المحتوى الإعلامي ضمن إطار يوازن بين الحرية والمسؤولية، ودعم المبادرات المجتمعية لنشر ثقافة التسامح، إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي لملاحقة المحرضين على الكراهية عبر الحدود.
في حال التعرض لواقعة كراهية، من الضروري الإبلاغ عنها للسلطات المختصة وتقديم المعلومات التفصيلية، إذ إن الإفلات من العقاب يشجع على التكرار ويقوض هيبة القانون.
تلعب منظمة الدرع الدولية دورا محوريًا في هذه المواجهة، من خلال نشر الوعي الجماعي عبر الحملات الإعلامية والتثقيفية، وتنظيم تدريبات للصحفيين والنشطاء والمعلمين حول رصد ومكافحة خطاب الكراهية، والمناصرة لدى صناع القرار لاعتماد سياسات وتشريعات أكثر صرامة، فضلًا عن تعزيز التضامن بين مختلف المكونات المجتمعية، ورصد الانتهاكات وتوثيقها بدقة لتقديمها للجهات الوطنية والدولية.
إن مواجهة خطاب الكراهية مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا جماعيًا وتعاونًا وثيقًا بين الأفراد، المجتمع المدني، والسلطات، لضمان بقاء الفضاء العام – الواقعي والرقمي – ساحة للتقارب والتفاهم، لا منصة للانقسام والتحريض.
منظمة الدرع الدولية _ بلجيكا
14 آب / أغسطس 2025
إلى قادة العالم، الحكومات، المنظمات الدولية، الهيئات الحقوقية، وإلى كل ضمير حي في العالم:
في ظل هذه اللحظة التاريخية السوداء، نشهد فصولًا من القتل المنهجي والدمار المتعمد الذي يستهدف الصحفيين الفلسطينيين في غزة، الذين أصبحوا، بلا مواربة، أهدافًا عسكرية مقصودة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي. هؤلاء الرجال والنساء، الذين يحملون الكاميرا والقلم، باتوا في مرمى نيران القناصة الذين لا يخطئون في انتقائهم للهدف، ولا يرحمون في إزهاق أرواحهم.
هذا الاستهداف ليس اعتداءً على أفراد فحسب، بل هو جريمة مكتملة الأركان، اغتيال ممنهج للحقيقة، وطمس لحرية الإعلام، ومحاولة لإسكات صوت العدالة والضمير. فقتل الصحفي هو قتل للرؤية، وسحق للرواية الحقيقية، وتشويه للواقع الذي تحاول آلة التضليل الإسرائيلية فرضه على العالم.
ما يحدث في غزة هو إبادة جماعية موثقة، ليست ضد الفلسطينيين فقط، بل ضد كل من يجرؤ على حمل الكلمة وكشف الحقيقة: الأطفال، النساء، الأطباء، المسعفون، والمرسلون لنقل الواقع إلى العالم. والصحفيون هم في قلب هذه الحرب القذرة، حيث تُستهدف كاميراتهم، وتُقصف مكاتبهم، وتُسكت أقلامهم بالقوة.
الأرقام الرسمية التي وثقتها منظمات حقوق الإنسان الدولية تدين الاحتلال: 238 صحفيًا استشهدوا منذ بداية العدوان الأخير، رقم ليس مجرد إحصاء، بل دماء وشهادات، ووجوه مضيئة انطفأت بفعل سياسة ممنهجة للإرهاب والإبادة.
ولكن الأخطر من ذلك هو الصمت الدولي المخزي، الذي يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للتمادي في جرائمه، ويشجع القوى الكبرى على التواطؤ مع قاتل لا يحترم قوانين الحرب ولا القيم الإنسانية. الإفلات من العقاب جعل جرائم الاحتلال تتكرر بلا هوادة، وكأن القتل والدمار أصبحا جزءًا من سياسة النظام الدولي نفسه.
هذا الصمت، وهذه الخيانة الأخلاقية، هي بمثابة وصمة عار على جبين الإنسانية. إن مجرد إصدار بيانات استنكار ضعيفة، دون إجراءات ملموسة، هو مشاركة صامتة في الجريمة، وتمكين مباشر للإبادة.
نحن في منظمة الدرع الدولية، صوت الحق والكرامة، نؤكد أننا لن نسمح بأن تكون الحقيقة ضحية هذه السياسة القمعية. سنبقى في الخطوط الأمامية، نوثق، نفضح، ونطالب بالعدالة والمحاسبة، ولن نتوقف حتى يُرفع الحصار، وتُحمى حياة الصحفيين والمدنيين، ويُحاسب القتلة.
ندعو المجتمع الدولي بكل مكوناته إلى:
وقف فوري للإبادة الجماعية، ورفع الحصار القاتل الذي يقتل أجساد الفلسطينيين وروحهم.
توفير حماية دولية عاجلة للصحفيين والإعلاميين الفلسطينيين وكل المدنيين، حماية لا تُكسر ولا تُستثنى.
محاسبة كل مرتكب لهذه الجرائم أمام المحاكم الدولية، وعدم السماح بأي فرار من العدالة مهما كان حجم الجريمة.
دعم حرية الإعلام كحق أساسي من حقوق الإنسان، وضمان وصول الحقيقة للعالم بلا قيود أو تهديدات.
إن كل رصاصة تُطلق على صحفي فلسطيني هي رصاصة في قلب الإنسانية جمعاء. وكل دقيقة صمت تُسجل كوصمة عار على جبين كل من كان بإمكانه التحرك، ولكنه فضل الخذلان.
نناشد الضمائر الحية، ونحذر المجتمع الدولي من أن يتحول إلى شريك في الجريمة بصمته، فالسكوت اليوم جريمة، والخذلان يستمر بقتل الحقيقة وقتل الأمل.
منظمة الدرع الدولية
11 أغسطس 2025
الكرامة ليست امتيازا يمنح، ولا مكافأة تستحق، بل هي الحق الذي يولد مع الإنسان، والنبض الذي يمنحه الشعور بإنسانيته.
لا يهبها حاكم، ولا تُشترى بثمن، فهي جوهر الفطرة التي خُلق عليها البشر.
حين تصان الكرامة، ينمو الإنسان حرا، مطمئنًا، فاعلًا في مجتمعه، منتميًا لوطنه. أما حين تُهان، تبدأ رحلة الانكسار الداخلي، ويولد في القلب غضب قد يصمت طويلًا، لكنه لا يموت.
الظلم ليس مجرد انتهاك لقانون، بل هو طعنة في وجدان المجتمع، وانهيار في منظومة القيم.
وحين يسود، يشعر الإنسان أن العدالة أصبحت حلمًا بعيدًا، وأن القانون لم يعد ملاذًا، بل سيفًا بأيدي الأقوياء.
عندها يضعف الانتماء، ويتحول الإحباط إلى بيئة خصبة للجريمة والتطرّف والرفض.
الظلم لا يزرع الحقد فحسب، بل يفتح الباب أمام الانحراف.
فالمقهور الذي سُلب حقه، قد يبحث عن خلاصه في طرق غير مشروعة، والمحروم من العدالة قد يرى في العنف وسيلة لاستعادة كرامته.
وحين يتكرر الظلم بلا رادع، تتحول الجريمة من استثناء إلى ظاهرة، ويكبر جيل لا يرى في القانون سوى أداة ظلم لا وسيلة إنصاف.
في بيئة كهذه، يتولد القهر في النفوس، ويفقد الناس الثقة بالمؤسسات، وتتفكك الروابط الاجتماعية.
يصبح الأمن هشًا، والمجتمع مهددًا، والاستقرار مجرد وهم.
في المقابل، حين تسود العدالة، يشعر الناس بالأمان، ويحترمون القوانين لأنها تحميهم وتعبّر عن قيمهم.
حماية الكرامة الإنسانية ليست رفاهية أو شعارًا نردده، بل هي أساس الأمن والسلام.
فالمجتمع الذي يهدر كرامة أفراده، يفتح الباب للانهيار من الداخل، مهما بدا قويًا من الخارج.
دور منظمة الدرع الدولية في معركة الوعي والحفاظ على الكرامة الإنسانية
في خضم هذه التحديات، تقف منظمة الدرع الدولية بكل التزامها الأخلاقي والحقوقي في خط المواجهة الأول دفاعًا عن كرامة الإنسان، حيثما وُجد.
تسعى المنظمة إلى تعزيز ثقافة الحقوق، ونشر الوعي القانوني، ومناهضة جميع أشكال الظلم والتهميش والتمييز.
تعمل المنظمة على فضح الانتهاكات، وتوثيق الحقائق، وإيصال صوت المظلومين إلى المحافل الدولية، إيمانًا بأن الكلمة الحرة والموقف الصادق أقوى من الصمت.
منظمة الدرع الدولية لا تكتفي برصد الظلم، بل تسعى إلى تغييره.
وتؤمن أن معركة الكرامة تبدأ بالوعي، وتتجذّر بالعدالة، وتنتصر بالإرادة الجماعية لكل من يحمل ضميرًا حيًا.
فالعدالة ليست ترفا، بل ضرورة وجود.
والكرامة ليست مطلبا، بل حق لا يسقط بالتقادم.
ومعركة الوعي مستمرة — ومنظمة الدرع الدولية فيها، دائما، في الصفوف الأمامية.
منظمة الدرع الدولية
بتاريخ 01 / 08 / 2025، نظّمت منظمة الدرع العالمية (مفوضية فلسطين) نشاطًا إنسانيًا إغاثيًا في أحد مراكز إيواء النازحين بقطاع غزة، استهدف أكثر من 500 أسرة نازحة من شمال وشرق القطاع.
ويأتي هذا النشاط في إطار برامج الاستجابة السريعة والإنسانية للأزمات والكوارث التي تنفذها المنظمة، بهدف دعم المتضررين وتقديم المساعدة العاجلة لهم في ظل الظروف الاستثنائية الصعبة التي يشهدها القطاع.
وقد تضمن النشاط توزيع مساعدات إغاثية أساسية شملت المواد الغذائية والطعام، وذلك في سبيل التخفيف من معاناة الأسر النازحة ومساعدتها على التكيّف مع أوضاعها المعيشية الصعبة.
وأكدت منظمة الدرع العالمية التزامها بمواصلة تقديم الدعم الإنساني للنازحين، والتعاون مع المؤسسات المحلية والدولية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، مجددة دعوتها للمجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته الإنسانية والأخلاقية تجاه المدنيين في غزة.











في الوقت الذي يشهد فيه العالم واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية في غزة، من إبادة جماعية وتجويع ممنهج، يتعرض الناشطون الحقوقيون والمتظاهرون المناهضون لهذه الجرائم لحملات قمع منظمة تنفذها أجهزة الأمن والمخابرات في عدد من الدول. وبدلاً من حماية حرية الرأي والتعبير التي تشكل جوهر الديمقراطية، أصبحت هذه المؤسسات أداة لإسكات الأصوات الحرة، والزج بالمناصرين للقضية الفلسطينية في السجون، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية والمعاهدات التي تكفل الحريات الأساسية.
المخابرات في خدمة قمع العدالة – تلجأ الأجهزة الأمنية في كثير من الدول إلى آليات معقدة ومنهجية لقمع المدافعين عن حقوق الإنسان، تبدأ بالمراقبة والتجسس، ولا تنتهي عند الاعتقال التعسفي أو الإخفاء القسري. يتم إلصاق تهم زائفة بالناشطين، مثل “التحريض”، “الإرهاب”، أو “تهديد الأمن القومي”، وهي تهم فضفاضة تتيح للأنظمة إسكات أي صوت يعارض جرائم الحرب في غزة أو يدافع عن حقوق الضحايا.
ولتعزيز شرعية هذه الانتهاكات، يتم الترويج عبر وسائل الإعلام الرسمية والتابعة للأجهزة الأمنية لروايات ملفقة ومضللة تسيء إلى صورة النشطاء، وتصوّرهم كـ”عملاء” أو “مثيري فوضى”. في هذا السياق، تلعب الدعاية الإعلامية دورًا محوريًا في خلق بيئة اجتماعية مهيأة لتقبل القمع باعتباره “ضرورة أمنية”.
النفاق الحقوقي في الجامعات الغربية – تبرز بشكل صارخ المعايير الانتقائية في تعاطي الغرب، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا، مع حرية التعبير حين يتعلّق الأمر بالقضية الفلسطينية. فقد شهدنا قمعًا واسعًا للحركات الطلابية داخل الجامعات الأمريكية والغربية التي نظّمت اعتصامات سلمية مطالبة بوقف الإبادة في غزة. لكن عوضًا عن الاستماع لمطالبهم، كانت التهمة الجاهزة هي “معاداة السامية”، في محاولة لتجريم الدعم الإنساني والسياسي للشعب الفلسطيني.
في عدد من الجامعات، تم استدعاء الشرطة لفضّ الاعتصامات بالقوة، وتعرض الطلاب للضرب بالهراوات، وللفصل التعسفي من الدراسة، أو حتى الطرد من السكن الجامعي. هذا التناقض الفاضح في المواقف يكشف أن حرية التعبير في الغرب مشروطة بطبيعة الموقف، وأن من يعارض السياسات الإسرائيلية يُعامل كخطر أمني لا كصاحب رأي.
ازدواجية المعايير في حرية التعبير – المشهد الحقوقي العالمي اليوم يعكس واقعًا محزنًا من تناقض المبادئ. ففي حين تُقدّس حرية التعبير عندما تكون موالية لأنظمة الحكم أو لا تتعارض مع المصالح الجيوسياسية للدول الكبرى، يتم قمعها بوحشية عندما تتعلق بالدفاع عن الشعب الفلسطيني أو فضح جرائم الاحتلال في غزة.
تتجاهل العديد من الحكومات حق التظاهر السلمي المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 21)، وتفرض قوانين طوارئ وتشريعات خاصة لتقييد الحريات تحت ذرائع أمنية واهية.
الحراك العالمي المناهض للإبادة في غزة، سواء عبر التظاهرات أو الحملات الرقمية أو النضال القانوني، يُقابَل بالقمع والترهيب في العديد من الدول. تُغلق المساحات العامة، تُمنع الوقفات التضامنية، يُعتقل المشاركون، ويُستدعى المنظمون للتحقيق، في محاولة لترهيبهم وردعهم عن مواصلة النضال.
وفي كثير من الحالات، يتم التعاون بين أجهزة أمنية في أكثر من دولة لملاحقة النشطاء عبر الحدود، فيما يُعرف بالتعاون الأمني العابر للحدود، في خرق واضح لحقوق الأفراد في اللجوء والحماية.
موقف منظمة الدرع العالمية للدفاع عن حقوق وحرية المواطن
إننا في منظمة الدرع العالمية للدفاع عن حقوق وحرية المواطن ندين بأشد العبارات هذا النهج القمعي الذي تمارسه أجهزة الاستخبارات والأمن بحق أي حراك مناهض للإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة.
نعتبر أن هذه الأنظمة، بصمتها أو مشاركتها في إسكات الأصوات الداعمة للحق الفلسطيني، تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية، وتشكل شريكًا مباشرًا أو غير مباشر في هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
إن قمع المدافعين عن حقوق الإنسان لا يُضعف فقط الحراك العالمي، بل يهدد الأسس التي تقوم عليها العدالة الدولية، ويُعيدنا إلى حقب الاستبداد التي اعتقدنا أنها طُويت.
ندعو المجتمع الدولي، والمؤسسات الحقوقية، والمنظمات الأممية، إلى التحرك الفوري لحماية الناشطين، ووقف التواطؤ مع أنظمة القمع، وإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان التي يُفترض أن تكون غير قابلة للتفاوض.
المرصد الحقوقي لمنظمة الدرع العالمية – الاتحاد الأوروبي
28-07-2025
في تقرير صادر عن منظمة الدرع العالمية، جرى الكشف عن واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، حيث قدّرت المنظمة، استنادًا إلى مصادر ميدانية وهيئات دولية متخصصة، أن الجيش الإسرائيلي ألقى ما يقارب 100,000 طن من المتفجرات والصواريخ على قطاع غزة منذ بداية الحرب الجارية، على منطقة لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومترًا مربعًا.
قصف بمعدل نووي: أرقام تتجاوز كل تصور
وفق التحليل الميداني والإحصائي، فإن هذا يعني أن كل متر مربع في غزة تعرّض لما معدله 274 كيلوغرامًا من المتفجرات، بينما وصل نصيب الفرد إلى أكثر من 41 كيلوغرامًا.
واستنادًا إلى الأوزان الشائعة للأسلحة المستخدمة، التي تتراوح بين 250 كغم و1 طن، فإن عدد القنابل والصواريخ التي أُلقيت يتراوح ما بين 200,000 و400,000 سلاح متفجر.
تشير التحقيقات الميدانية والتقارير الحقوقية إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الأسلحة كان يتضمن مواد محرّمة دوليًا، مثل:
الفوسفور الأبيض، الذي استُخدم في المناطق السكنية المكتظة، متسببًا بحروق مروّعة وحرائق واسعة النطاق.
القنابل الارتجاجية (الارتدادية)، التي تؤدي إلى هدم المباني على من فيها دون إنذار، وتُخلّف إصابات داخلية قاتلة يصعب معالجتها.
الذخائر العنقودية، التي تنتشر على مساحات واسعة وتواصل قتل وتشويه المدنيين حتى بعد انتهاء الهجوم.
قنابل الوقود الهوائي (الثرموباريك)، المعروفة بتأثيرها التفجيري الهائل على مساحات واسعة، والتي تُستخدم في الحروب الشاملة، لا في مناطق مدنية.
وقد وثّقت فرق الإسعاف ومراكز حقوق الإنسان آثار هذه الأسلحة على أجساد الضحايا والمباني المستهدفة، مما يعزز من الأدلة على أن إسرائيل لجأت إلى تكتيكات حرب محرّمة وممنهجة ضد السكان المدنيين.
دمار شامل يطال كل مقومات الحياة
وصفت منظمة الدرع العالمية ما حدث في غزة بأنه “إبادة جماعية ممنهجة” و**”جريمة إنسانية مكتملة الأركان”**، مشيرة إلى أن حجم الدمار الذي خلفه العدوان الإسرائيلي لم يقتصر على استهداف الأفراد، بل طال أساس وجود الحياة الكريمة في القطاع.
فقد أدى القصف المتواصل والمكثف إلى تدمير شبه كلي للبنية التحتية في معظم مدن ومخيمات قطاع غزة، بما في ذلك الطرق الرئيسية، الجسور، شبكات الصرف الصحي، ومحطات توليد الكهرباء.
كما استُهدفت بشكل متعمد:
المستشفيات والمراكز الصحية، ما أدى إلى انهيار النظام الصحي وعجزه عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
الجامعات والمدارس، حيث تم تدمير العديد من المؤسسات التعليمية بشكل كامل، مما يحرم مئات آلاف الطلبة من حقهم في التعليم.
مقرات وكالة الأونروا، التي كانت تشكل ملاذًا للنازحين واللاجئين، باتت اليوم ركامًا.
أماكن العبادة، من مساجد وكنائس، استُهدفت دون مراعاة لأي حرمة دينية أو إنسانية، في انتهاك فاضح للقوانين الدولية.
المخابز ومخازن الأغذية، ما تسبب في تفاقم أزمة الجوع وندرة المواد الغذائية.
شبكات المياه والكهرباء، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الخدمات الأساسية، حيث يعاني السكان من العطش والعتمة والحرمان من أبسط شروط النظافة والصحة.
إن ما يزيد على مليوني إنسان أصبحوا محاصرين في رقعة صغيرة، يصارعون للبقاء بلا طعام، بلا دواء، بلا مأوى، وبلا أفق للنجاة. هذه الكارثة، كما تصفها منظمة الدرع، هي محاولة لاقتلاع الحياة من جذورها، وتجريد الشعب الفلسطيني من حقه في الوجود الكريم.
إحصائيات مرعبة حتى 23 يوليو/تموز 2025
بحسب ما وثّقته فرق الرصد التابعة لمنظمة الدرع العالمية، بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني والهيئات الدولية الإنسانية والإغاثية، فإن حجم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة بلغ مستوى صادمًا، يعكس حجم الإبادة الجماعية التي ترتكب بشكل ممنهج منذ بداية العدوان.
بلغ عدد الشهداء حتى التاريخ المذكور 59,219 شهيدًا، فيما سُجّل 143,045 جريحًا، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن.
تفصيل الشهداء بحسب الفئات:
12,400 امرأة استُشهدن نتيجة القصف المباشر أو تحت أنقاض منازلهن.
18,000 طفل قضوا تحت القصف أو بسبب الجوع ونقص الرعاية الطبية.
3,853 مسنًا، كثير منهم تُركوا دون قدرة على الفرار أو الوصول إلى الملاجئ.
4,700 مفقود حتى اللحظة، من بينهم 1,000 طفل لم يُعرف مصيرهم.
11,200 شخص لا يزالون في عداد المفقودين تحت الأنقاض أو في ظروف غير معروفة.
40,000 طفل باتوا أيتامًا بسبب استشهاد عائلاتهم.
2,500 حالة إعاقة دائمة ناتجة عن الإصابات البالغة وفقدان الأطراف بسبب الأسلحة المحرّمة دوليًا.
1,411 حالة اختفاء قسري، وسط غياب أي تحقيق دولي شفاف حول ظروف اختفائهم.
ضحايا الاستهداف المتعمّد:
228 صحفيًا وإعلاميًا استُشهدوا أثناء تأدية واجبهم المهني، بعضهم قُتل مع أفراد من عائلاتهم، في محاولات واضحة لإسكات الحقيقة.
1,411 من الطواقم الطبية استُهدفوا خلال عمليات الإنقاذ، في خرق مباشر لكل المواثيق التي تضمن حماية الكوادر الطبية.
113 من عناصر الدفاع المدني قضوا أثناء محاولاتهم إنقاذ المدنيين تحت النار.
203 من موظفي الأونروا، وهم من طواقم الإغاثة الأممية، قُتلوا رغم تحصّنهم في منشآت تابعة للأمم المتحدة.
800 من الكوادر التعليمية، بينهم مديرو مدارس ومعلمون، استُهدفوا أثناء مزاولة أعمالهم أو تواجدهم في ملاجئ.
إعدامات ميدانية واستهداف ممنهج للمدنيين
وثّقت المنظمة حالات إعدام ميداني لطواقم الإسعاف والدفاع المدني، تم تنفيذها بدم بارد بعد استسلامهم أو أثناء تأديتهم لمهامهم. كما رُصد استهداف ممنهج للصحفيين ومراكز الإعلام، ما يعكس سياسة ترهيب وتكميم أفواه متعمدة، بهدف طمس الجرائم ومنع توثيقها.
وتؤكد منظمة الدرع العالمية أن هذه الأرقام لا تمثل فقط إحصاءً بشريًا مفجعًا، بل تُعد دليلًا دامغًا على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ممنهجة، تُوجب المحاسبة الفورية والعقوبات الدولية الصارمة بحق مرتكبيها وداعميهم.
صمت دولي يرقى إلى التواطؤ والخذلان… وشراكة في الإبادة الجماعية
في بيانها المرفق بالتقرير، وصفت منظمة الدرع العالمية موقف المجتمع الدولي بـ”المخزي”، مؤكدة أن ما يحدث في غزة يكشف حالة من التخاذل المروع والتواطؤ المكشوف من أطراف دولية يفترض أنها ضامنة للعدالة وحامية لحقوق الإنسان.
وجاء في البيان:
“ما نشهده اليوم ليس فقط تقاعسًا دوليًا، بل هو تواطؤ صريح ومباشر من قبل بعض الدول والحكومات التي تواصل تزويد إسرائيل بالسلاح والدعم السياسي والغطاء الدبلوماسي، رغم الفظائع التي تُرتكب علنًا، وعلى مرأى ومسمع من العالم.
إن هذه الجرائم لن تُنسى، ولا تسقط بالتقادم، وصمت العالم عنها هو وصمة عار في جبين الإنسانية، وخيانة صريحة للمبادئ التي تأسس عليها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.”
وأضافت المنظمة أن هذا الصمت لا يبرئ أحدًا، بل يحمّل الدول المانحة والمساندة مسؤولية قانونية وأخلاقية وتاريخية عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.
مطالب منظمة الدرع العالمية:
الوقف الفوري للعدوان على قطاع غزة، ووقف الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني.
فتح جميع المعابر بشكل عاجل لإدخال المساعدات الإنسانية دون شروط أو قيود.
إطلاق تحقيق دولي عاجل، مستقل وشفاف، بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في القطاع.
فرض عقوبات دولية رادعة على دولة الاحتلال، بما يشمل حظر تصدير الأسلحة إليها.
محاسبة الحكومات المتواطئة سياسيًا أو عسكريًا، باعتبارها شركاء في الجريمة.
ملاحقة قانونية للأفراد والشركات والمؤسسات المتورطة في دعم أو تمويل جرائم الحرب، أو التي ساهمت في تنفيذها تقنيًا أو لوجستيًا.
تأمين ممرات إنسانية آمنة ومستدامة، لإنقاذ ما تبقى من أرواح، ونقل الجرحى، وتقديم الحماية الدولية للسكان المدنيين.
منظمة الدرع العالمية
بروكسل – بلجيكا
23 يوليو/تموز 2025
بروكسل – 14 يونيو 2025
اختُتمت أعمال مؤتمر بروكسل للتعايش السلمي ومكافحة خطاب الكراهية والتطرف في قاعة المؤتمرات بفندق Cardo في العاصمة البلجيكية، بمشاركة واسعة من شخصيات دولية مرموقة، وممثلي منظمات المجتمع المدني، وخبراء في حقوق الإنسان، والتعليم، والإعلام، إلى جانب صنّاع السياسات من مختلف دول العالم، حضورياً وعبر الإنترنت.
وفي افتتاح المؤتمر، ألقى الدكتور صالح محمد ظاهر، رئيس منظمة الدرع الدولية والأمين العام المؤسس لاتحاد الدبلوماسي الدولي، كلمة جاء فيها:
“أقف اليوم أمامكم، هنا في بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، في هذا المحفل الدولي الهام، في لحظة فارقة من تاريخ الإنسانية، حيث يشهد العالم تصاعدًا متسارعًا في موجات العنف، والصراعات، وخطاب الكراهية، الذي يحصد أرواح الأبرياء ويهدد أسس التعايش السلمي.
ما نشهده اليوم في مناطق متعددة من العالم، لا سيما في الشرق الأوسط، وتحديدًا في قطاع غزة، من إبادة جماعية وتجويع وتدمير ممنهج للمدنيين، واغتيال للصحفيين والمسعفين، وتهميش للشعوب، يحدث أمام أعين العالم الذي يعاني من ازدواجية المعايير وفقدان البوصلة الأخلاقية.”
وأضاف:
“نحن لا نخوض فقط حرباً بالدبابات والطائرات، بل نخوض معركة الوعي. معركة لا تُحسم بالسلاح، بل تُخاض بالفكر، بالكلمة، وبالقيم التي نزرعها في أجيالنا القادمة. فالإنسان، أيًا كان لونه أو دينه أو أصله، هو القيمة العليا التي يجب احترامها والدفاع عنها.
خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات تُقال؛ بل هو شرارة تشعل الحروب، وتفكك المجتمعات، وتزرع الانقسام. إنه مشروع متكامل تقف خلفه أجندات سياسية واقتصادية، تتغذى على الفتن والمآسي، وتستفيد من استمرار العنف.”
وأكد الدكتور ظاهر أن المستفيد الأكبر من خطاب الكراهية والتطرف هو من “يتاجر بالخوف ليحكم، ويزرع الفوضى ليحصد المصالح، ويقمع الوعي لينتشر الجهل”، لافتاً إلى أن ما يحدث اليوم في فلسطين وخاصة غزة، يكشف تناقضات العالم المتحضر الذي يصمت أمام المذابح الجماعية، ويتخلى عن المبادئ التي طالما نادى بها.
وشدد على أن مواجهة الكراهية تبدأ من سلاح الوعي، الذي لا يُبنى إلا عبر وسيلتين جوهريتين:
الإعلام: يجب أن يكون منبرًا للحقيقة والسلام، لا أداة للتحريض وبث الكراهية. نحتاج إلى إعلام مسؤول، يضع الإنسان في قلب اهتمامه، ويواجه التضليل بالشجاعة والنزاهة.
التعليم: هو الحصن الأول في وجه التطرف. علينا أن نعيد صياغة مناهجنا لتعليم أبنائنا ثقافة الحوار، والتعددية، وقبول الآخر، والانتماء الإنساني قبل أي انتماء آخر.
وختم الدكتور صالح ظاهر كلمته بالقول:
“التعايش السلمي لم يعد خياراً ترفيًّا، بل أصبح ضرورة وجودية في عالم يموج بالكراهية. فلنبنِ مجتمعات تُدار فيها الاختلافات بالحوار لا بالاقتتال، ولنكن جنودًا في معركة الوعي، لا بالكراهية بل بالرحمة، لا بالتحريض بل بالحقيقة.
رسالتي اليوم إلى مجلس الأمن، والأمم المتحدة، والبرلمان الأوروبي، وإلى جميع منظمات حقوق الإنسان: لقد آن الأوان لاتخاذ مواقف حازمة، واضحة، لا تقبل التسويف، لمواجهة الإبادة، وخطاب الكراهية، والتمييز، والانتصار للعدالة والكرامة الإنسانية.”











